لمحات من امرأة
عندما فتحت دفتر مذكراتها كانت كلماتها هذه أول ما قرأت :
" إذا كنت يا من تقرأ هذه الأسطر تقرؤها و أنا لا أزال حيّة أرزق فأنت شخص متطفل، ولا تعرف معنى احترام خصوصيات الآخرين، فحاول ألا تذهب أبعد من هذه النقطة.
أما إذا كنت تقرؤها بعد موتي فإنّ ما يدفعك لانتهاك مساحتي الخاصة هذه إضافة إلى الفضول هو في الغالب رغبة منك في أن تعوض عن نقص في معرفتك لي أثناء حياتي، أو ربما تبحث فقط بين هذه الصفحات عن طيفي أو عن وميض بضع لحظات و بعض الذكريات.
ما ستجده هنا هو بعض اللحظات الموثٌقة، أوقات لم أشأ أن يسرقها مني النسيان، و محاولات لاكتشاف نفسي و فهمها أكثر، وأخطاء كان لا بد من تجنب الهرب منها بتناسيها، فاستحضر صورتي التي لديك في ذاكرتك و قم بما تشاء من مقارنات و انظر إن كنت قد عرفتني حقاً.
تراودني رغبة بالضحك عندما أتخيل تعابير وجهك و أنت تقرأ الصفحات المتبقية، فلا بد أن الكمية الهائلة من التناقضات ستذهلك، لكن أعتقد أن هذا هو حال أي شخص لا تخيفه الصراحة مع نفسه، و لا يخشى من أن يواجهها و ينظر إليها في أشد لحظاتها عرياً، أن يغوص بعيداً في أكثر زواياها ظلمة ووحشة، و لا يبعده الخوف من الضياع في متاهات دوافعها المتعددة عن الخوض فيها، أعرف أنك ستجدني تائهة في كثير من الأحيان لكن هذا الضياع كان ممتعاً في الغالب.
عندما أفكر في كل الأشياء التي فاتني تغييرها، أتمنى لو لم أركز دائماً على المشكلة و إنما على التحرر منها، كلما كنت أفكر أكثر كنت أضيع في التفاصيل و كانت قدرتي على الرؤية بوضوح و على فعل شيء ما تتضاءل، عندها كنت اتخذ من رغبتي بالرجوع في الزمن إلى الوراء، نحو البداية، ملجأً، حيث يمكنني أن أعيد بناء كل شيء من جديد، و حيث كنت لا أزال طفلة شقية شبيهة بالصبيان شكلاً و تصرفاتٍ، و لكن حرة و غير مدفونة بعد تحت أكوام من الممنوعات و المحرمات.
جربت للمرة الأولى ذلك الشعور المرّ المدعو ندماً عندما كنت صغيرة، ومذ ذاك الوقت عاهدت نفسي بأنني لن أسمح لها أبداً بأن تختبره من جديد، بالطبع كان الحفاظ على هذا الوعد أمراً مستحيلاً، و كانت ذكرى هذا الوعد تراودني بين الحين و الآخر، كما تراودني الآن بقوة لعلمي بأنني كنت شخصاً متطلّبا و غالباً ما كنت أركز على السلبيات في ذاتي و فيما هو حولي، بالرغم من أنني في العمق كنت حقاً ممتنة للحياة التي مُنِحتها لكن لم يكن تعبيري عن امتناني و سعادتي بالقوة التي تمنع بِها تعبيري عن استيائي؛ إن كنت سأبدأ بتعداد ما لم أعبّر عنه و ما لم أعشه بالقدر الكافي فقد لا تكفي صفحات هذا الدفتر، لأن حذري و خوفي مما قد أبدو عليه و ما قد يظنه الآخرون بي رافقني دائماً و كان "كالفلتر"، يرسم لي خطوطاً خارجية و يسمح لما هو مدروس و مقبول و منطقي فقط من الكلام و التصرفات بالخروج.
لذا اعتقد أن قلة من الأصدقاء قد فهموني، بينما كنت كلوحة تجريدية بالنسبة للآخرين، حيادية الألوان لا يلحظ وجودها سوى المهتم و كل من يراها يفسرها و يفهمها على هواه.
خلال محاولتي تجنب المشاعر السيئة نسيت أن أعيش الجيدة منها، لقد عشت حياتي كمتفرّجة، و لم تعد هناك فرصة لتغيير ذلك.
لكن من يدري، من الممكن أن أكون قد عدت أخيراً إلى نقطة الصفر، و قد تكون هذه هي البداية الجديدة التي كنت أنتظرها."
أغلقت الدفتر، لا أدري، ربما المعرفة المفرطة هو ما أخافني، إنّ الاقتراب إلى هذا الحد من شخص ما ليس دائماً سهلاً، قد يكشف لي جوانبأ من نفسي لم أشأ أن أراها سابقاً، ربما أخاف من رؤية صورتي معكوسة في حياتها أو أرى نفسي من خلال عينيها، أو ربما لم أرد أن أكتشف أنني فوّت الفرصة في أن اعرفها لأنني لم أكن قد فكرت بأنني يمكن أن أخسرها…
ـــــــــــــــــــــــــــ
* الصورة هي للوحة Raphaelesque Head Exploding للفنان الإسباني سلفادور دالي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقالات متعلّقة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





عن جد حلو كتير فرح…
عن جد كل مرة عم تثبت القدرة الفريدة بالتشويق, وهي مهارة قلة من الناس تمتلكها…
برافا …
عم نستا دايما جديدك….
تحياتي….
جميل.
مشكلنك عم تفكر كتير … وهدا بحد زيته بروبلم الك بهالبلد …
غير … من التفكير … الى شي تاني …
بتعرفي جدا ً رائعة وشدتني
علما اني من الناس الكثيري الحياة ” يعني بحاول قد ما فيي اني عيشها ” ، من زمان وعندي هاجس اني من الناس اللي يمكن ما يطولو كتير بهالدنيا
بس بنفس الوقت
بس رغم هيك ! بحس أنو ما فيك تقتنص الحياة كلها
أرعبتني فكرة أنو كتير من القراب مني يمكن أنا بحاجة لاتطفل ع دفترن لأعرفن أكثر ..
كم نحن بحاجة لمشاركة أعمق
شكرا ً إلك فرح
تموز
شكراً جزيلاً لمرورك و تشجيعك الدائم صديقي, كتير مبسوطة إنها عجبتك و لو إنو هي مسؤولية فبتمنى ما تنطر جديدي كتير و أنو ينال اعجابك كمان مرة. كمان أنا عم إنطر جديدك المميز على طول.
انشالله ديماً موفق.
رزان
شكزاً جزيلاً لك على مرورك اللطيف.
afkarnow
معك حق صديقي أنا بفكر كتير, لهيك عم حاول حط أفكاري عالورق و امشي لقدام, ما فيني بطل فكر لأنو أفكاري هي المحل الوحيد لبكون فيه حرة.
شكراً لمرورك و مشاركتك.
مارسيل
شكراً صديقتي على مرورك, دائماً ما تقودني قدماي إلى واحتك لمحات, و أستمتع بالتجوال بين كلماتها.
عندي دايماً خوف من أنو الأيام تسرق مني شخص قريب و اكتشف اني ما كنت بعرفو عن جد, أو أنو تسرق مني نعمة الحياة قبل ما أعرف حالي و عيشها بكل أبعادها.
نحنا بحاجة لكتير شجاعة و اصرار حتى نرجع ندق البواب الي بيسكرها الخوف بوجه المشاركة و التواصل الأعمق.
شكراً إلك لمشاركتك اللطيفة
اشتقت لحكياتك مو بس لكتاباتك بس عنجد فرح بداية رائعة بيجوز ماتكون البداية لانو كما يبدو من زمان اتتفجرت المواهب الدفينة
موفقة فرح امتعينا وابدعينا بجديدك ولاتهربي من المسؤولية لانك مشيتي بالطريق وماعاد في رجعة خلص …………
هيك عم تخوفيني زيادة جوجو…. عم إمزح, لأنو أنا بعرف إني ماني كاتبة, و بالتالي ما عم دور على نجاح مبهر, بدي بس فكر معكن هون عالمدونة لمّا منكون بعاد, و شكارككن بمشاعري… أنا كمان اشتقتلكن.
شكراً غاليتي على مرورك و تشجيعك.
ohhhhhhhhh my God
think more to know more and to live more freedom
thanks luoisa, for you passing here, you’re right, that’s how it shood bee, think more to know your self better, but you also have to have the bravery to live your freedom.
صباحو فرح ,,,
…..)واما ان روتين هذه الحياة و رتابتها تجعلنا نسخا تشابهت فيها حتى الهواجس و الافكار …
لا اعرف لماذا كلما قرات لك شيئا احس بأني اختبرته او ساختبره يوما ما…. اما ان الله قد حباك يا فرح ينعمة التخاطر و بموهبة قراء الافكار ( ان صح هذه الاحتمال يجب على احدهم الحذر في المستقبل
كتير حلوة ولا تعليق على اسلوبك المشوق في الكتابة …… شكرا على هذه المتعة .
صباحو ماهر, عذراً صديقي على الرد المتأخر, و شكراً لك على الإطراء.
قراءة أفكار و تخاطر كمان…ياريت, كانت صارت حياتي أسهل بكتير.
متشابهين..أكيد, نحنا بشر و هواجسنا الكبيرة هي هي.
المتعة أنا اللي عم عيشها بالتواصل و تبادل الأفكار معكن, شكراً لك صديقي العزيز على مرورك اللطيف.