هل يكون الإنسان طيّبا إن كان مجبرا أن يكونه؟ أو بصياغة أفضل: هل يمكننا الحديث عن خير وشر عندما نتحدّث عن كائن مسلوب الإرادة؟! أليست الحريّة شرطا للحكم الأخلاقي؟! أليس الصالح والطالح مقترنا بحرية الإختيار؟!
يعالج كوبريك Stanley Kubrick في فيلم البرتقالة الآلية، المقتبس عن رواية تحمل نفس الإسم للمؤلّف البريطاني Anthony Burgess، هذا الموضوع البالغ الأهمية والحساسية (حساسية تأتي من الإشكالية الفلسفية، الدينية، والأخلاقية، لحرية الإختيار!) مركّزا على نقطتين اثنتين:
1. حرية الإختيار هي المميّز الأوّل للإنسان، ومن دون هذه الحرية يصبح الإنسان رجلا آليا يفعل ما برمج على فعله، ومن هنا تسمية الفيلم التي تحاكي من جهة البرتقالة البلاستيكية التي قد تملك نفس لون تلك الطبيعية، وقد تكون مليئة بالعصير دون أن تكون حقيقية، ومن جهة أخرى الرجل الآلي (orang تعني بالماليزية الرجل؛ المصدر: ويكيبيديا)
2. لا يمكن أن نطلق على فعل ما أنّه صالح، جيّد، أو عادل إلا عندما يكون من يقوم بهذا الفعل قادرا على أن يفعل سواه، وعندما تستلب هذه الإرادة، يصبح الفعل فعلا فقط دون أيّة توصيفات أخلاقية..!
كوبريك يصطحبنا في جوّ مليء بالعنف، حيث أليكس يقود عصابة ليلية، تطغى عليها شخصيته السّادية، والجائعة جنسيا، وفي تمرّد للذئاب على زعيمها، يوقع بقية الشبّان بأليكس وتقبض عليه الشرطة متلبّسا بجريمة قتل، توصله إلى السجن الذي تخرجه منه فقط موافقته على تجربة جديدة تقوم بها الحكومة لإعادة تأهيل سريعة (ذات أهداف سياسية وانتخابية!) للسجناء، وهدفها الأساسي تخفيض نفقات السجون، التجربة ترتكز بشكل أساسي على منعكس بافلوف الشرطي، بحيث يحقن السجين بمواد تجعله يعاني ألما فظيعا ويراوده إحساس "بالموت اختناقا" مع مزامنة هذا الشعور مع مشاهد عنف واغتصاب تعرض على شاشة سينما يُجبر على رؤيتها، وهكذا يفقد أيّة قدرة حتّى على ردّ الفعل على أعمال عنف قد يتعرّض لها هو نفسه (يعاوده الألم والإحساس ذاته)!، وبذلك تبدأ سلسلة من الأحداث (المرتّبة بشكل مصطنع نوعا ما برأيي!) يتعرّض فيها لعنف من أولئك الذين قد أذاهم ذات مرّة، وتنتهي بمحاولة انتحاره حيث تنفجر الفقاعة السياسية التي حملته إلى هنا، وتجبر الحكومة على العناية به، في صفقة جديدة تشفيه من المنعكس الشرطي، وتترك له الخيار من جديد في نهاية أصرّ كوبريك على تركها مفتوحة..
والتساؤل الأساسي الذي يحرّض هذا الفيلم على تشكّله، هو تساؤل أخلاقي وهو، من جهة، حول الأحكام التي نتّخذها بحقّ أشخاص لا يمتلكون، لسبب ما، حريّة الإختيار وبالتالي لاينبغي أن يتحمّلوا أيّة مسؤولية عن أفعالهم التي لاينبغي أن توسم بالخير أو الشر، فمن منّا يصف حيوانا ما بالشرير مثلا؟! (وإن كنّا أحيانا نفعل ذلك فالموضوع يستحق فعلا إعادة التفكير لإعادة ربط الحكم بالمسؤولية التي تفترض بدورها حرية الإختيار!) أمّا من الجهة الأخرى، فحول صحّة تربيتنا لأبنائنا التي تنزع عنهم حريّة الإختيار وتغرس فيهم بعض المنعكسات الشرطية التي تجعلهم آليين غير قادرين على تحمّل مسؤولية أعمالهم المتعلّقة أو نقدها وصولا عند الحاجة إلى نقضها!
الفيلم قديم جدّا، حيث يعود لعام 1971، وبالتالي فهو متخلّف تقنيا عند مقارنته بأعمال سينمائية حديثة عالجت مواضيعا مشابهة، لكنّه من الجهة الأخرى يحافظ على تميّزه حتّى بعد هذه الفترة الطويلة في طريقة وأسلوب مقاربته للموضوع ممّا يجعل مشاهدته ممتعة ومفيدة، يضاف إلى ذلك غنى الرواية وإبداع بورغيس الذي يخترع في روايته لغة اصطناعية دعيت ب Nadsat، ويشير أيضا إلى تدخّل الدولة في شؤون المواطنين (بورغيس يشير بوضوح لذلك عندما يعقد مقارنة لروايته مع رواية أورويل “1984″) والذي يمكن أن يصل حدود سلبهم حريّاتهم حتى تلك الأساسية منها، كما أنّه يضع لأوّل مرّة الموسيقا في قفص الاتّهام، رابطا بين عنف أليكس المفرط وحبّه لبيتهوفن، محاولا الإشارة، برأيي، لتجارب الإستخبارات المركزية الأميريكية المدعوّة MK_ULTRA، لإعداد مجرمين محترفين (؟!: فيلم نظرية المؤامرة لميل جيبسون)، التي كانت إشاعات تدور حولها في تلك الفترة لتعود وتتأكّد صحّتها لاحقا! وكان الفيلم قد رشّح لأربع جوائز أوسكار لم ينل أيّا منها؛ الفيلم يستحق فعلا أن يشاهد، مع ملاحظة أنّه يحتوي على مشاهد ضارّة بالأطفال واليافعين..
«الخير يأتي من الداخل؛ الخير خيار، وعندما يكفّ المرء عن امتلاك خيارات لا يعود إنسانا» مقتبس من الفيلم









تحياتي باسل . . شكلو الفلم حلو ياريت لو يجددوه.
المحاكمة العادلة تكون على أساس امتلاك الإنسان حرية الإختيار . . بالنسبة للنقطة الثانية أظن الفعل يحمل توصيفا أخلاقيا حتى لو كان الإنسان مجبرا عليه.
لكن لا يمكن لنا سحب التوصيف على من قام به نظرا لأنه فعله مضطرا.
أعتقد أن الجميع (العاقلين) لديهم خيارات حتى لو تبدا لنا العكس . . على الأقل خيار التوقف عن ارتكاب مثل هذه الأفعال.
تحية صديقي على التدوينة الثرية.
ليس عبثاً أن الفيلم يعتبر من أفضل ما أنتجت السينما في تاريخها, و هو نموذج لعبقرية ستانلي كوبريك الكبيرة
تحياتي
أهلا بك عبد السلام؛
صديقي، الفعل لايمكن الحكم عليه بحدّ ذاته، فهل تقول مثلا: الصاعقة غير عادلة؟! وعندما يقال ذلك فهو في الجوهر اعتراض على الفاعل وحكم عليه!
إذا دعنا نتّفق أنّ الحكم هو على جملة (فاعل – فعل) وليس على الفعل بحدّ ذاته.. (حقيقة عندما نقول أنّ السرقة غير أخلاقية فنحن نعبّر عن تعميم لحكم على شخص معيّن ليصبح الحكم على فاعل ما! لا أحد مثلا يقول عن السرقة التي تقوم بها العصافير أنّها غير أخلاقية؟!)
إذا كنت متّفقا معي على ماسبق، نستطيع أن نصل إلى نتيجة وهي: عندما تغيب حريّة الإختيار، الفاعل لا يتحمّل مسؤولية أفعاله!
بمقدار إطلاق الأولى يكون إطلاق الثانية، أي بمقدار ما تكون هذه الحريّة سليبة تكون المسؤولية غائبة، وعندما تغيب تلك الحرية تماما، لايدّ أن يعفى من المسؤولية (حالة المختليّن عقليا مثلا!)
بخصوص تعريف العاقل، يمكن كتابة مجلّدات.. خالص تقديري
أهلا بك غافروش، نوّرت الحارة..! تحيّاتي صديقي
اقتباس:
(إذا دعنا نتّفق أنّ الحكم هو على جملة (فاعل – فعل) وليس على الفعل بحدّ ذاته.. )
تماما هذا ما عنيته . . الفعل دائم يحمل توصيف أخلاقي طالما أنه يصدر عن إنسان . . وأتفق معك أيضا أن العلاقة بين الحرية والمسؤولية علاقة طردية لكن أعتقد مهما بلغت عبودية الإنسان فإنه يملك على الأقل خيار آخر يتمثل بالتوقف عن ذلك حتى لو كان الثمن حياته.
تحية
أهلا بالصديق العزيز عبد السلام؛
آسف للتأخّر..
صديقي: هناك عدّة حالات، يكون فيها الإنسان غير قادر على اتّخاذ أيّ قرار مهما كان بسيطا، فكيف هو الحال باتّخاذه لقرار، كالإنتحار، على هذا المستوى من الخطورة؟!
أتّفق معك، إذا ماصحّ اعتقادي بأنّ هذا ماتحاول الإشارة إليه؟!، بأنّ هناك حالات عديدة يتمّ فيها التذرّع بغياب الحريّة للتنصّل من المسؤولية، وفي تلك الحالات، من الواضح أنّ المسؤولية موجودة حتّى ولم نستطع إثباتها..
أهلا بك وأشكرك على إغنائك الدائم للمواضيع المطروحة في هذا الحيّز الإفتراضي…