أنقذوا الأرض

climate change2

ارهاصات في الغربة

أطرقت  هنيهة …. امتدت لساعة

أطرقت ملتبساً, مشككاً  لكن ….عن قناعة

أطرقت مخاطراً, و الإطراق في الزمن الصعب شجاعة…

أطرقت في حال البلاد و ماصارت إليه العباد , في تاريخنا المهلهل و أخبار من ساد و من باد, كيف اختنقنا بجهلنا و أجهز علينا العناد, يد تحشو الرصاصة ويد تضغط الزناد فتحملنا رياح الموت من واد لتلقينا بواد….لباسنا أسود, ذلنا مؤبد و أيامنا حداد….ينقصنا كل شيء إالا أوجاعنا _ الحمد لله_ في ازدياد…….

أتعبني إطراقي …  أتعبني و أحسست بشيء من الوضاعة

ففي الشكوى  فقط لطالما كنا الأسبقين و الأطول باعَ

وعند طلب الحلول لمآسينا و ما حل فينا… تجافينا النجاعة

هذا حال جماعتي و سيبقى … و أنا واحد من الجماعة

قيل فيما مضى :إن أردت أن تطاع فاطلب المستطاعَ, و نحن قوم لا نستطيع شيئاً…. مصابون “بنقص المناعة”

فاتركنا أيها التاريخ نجتر خيباتنا  و امضي…… و لا تذكرنا في الكتب عند الطباعة

*******************************************************

وجعي مقيم , مرضي سقيم ,أملي عقيم  و على وجه الدقة أحس أني في جحيم …..

إلهي سبحانك أنت محي الآماااااال و هي رميم . ربٌاااااااااااااه اهدني طريقاً قويم , فقد حاصرتني الشرور وبلغ اليأس الصميم….ربٌاااااااااااااااااااااه, إني استغفرت فاغفر لي و استعذت بك فأعذني من الشيطان الرجيم .. في العين دمعة , و في الحلق غصة , و الروح تخشى العقاب الوخيم …..قد كنت لا أمني النفس بطوفان النعيم و في معظم  الأوقات رافقني عقل سليم , و لم أطلب الرحمة إلا بقدر ما كنت رحيم … لكن غدر الزمان و الخلان  كان في الميزان عظيم , فرجحت كفة ماأردتها راجحة , أفسدت عذب أيامي فأضحت مالحة … عندها و فقط عندها أدركت كم هي المصيبة فادحة و كم هو الخطب جسيم ……

التصنيفات:مدارات ذاتية

رفيقة درب….

أعرفها أكثر مما أعرف نفسي , فمذ عرفتها لم تفارقني  و لم تغب عن ناظري هنيهة …  حين تكون بقربي أحس بالأمان و تغمرني حالة من الطمأنينة. أثق بها ثقة عمياء فهي لم تخذلني يوماً …وفي أحلك الظروف كانت على الدوام أم رؤوم تحنو و أب رؤوف  لا يقسو …أقصدها فأجدها دوماً بانتظاري بكامل ألقها و رونقها.للزمن أثر يتركه على كل ما حولنا  إلا هي فرغم  سنين صحبتنا العديدة, تبدو كأنها حظيت باستثناء نادر ,فمازالت كما هي بسيطة , رشيقة , باختصار , رائعة كما دوما ً.

تشاركني لحظات العمر , في السراء  نحن معاً نحتفل سوياً , و في الضراء معاً تواسيني و تعدني بفرج قريب… لم تتذمر يوماً من إلحاحي و نزقي و رغباتي التي لا تنتهي , و بالمقارنة مع من مروا في حياتي قبلها, هي  الأوفى و الأصدق تجسيداً لمعنى الخل الوفي … و لست أبالغ إن قلت أني لم اضطر يوماً أن أبرر أو أشرح لها أياً من تصرفاتي , كانت تعرف ماذا أريد بمجرد أن ألمسها  وبدون أي تردد كانت تستجيب ….. و للأمانة ولأن ما سأقوله يحسب لها لا عليها فقد عاندتني مرتين أو ثلاث فآلمتني برفضها مثل أم صفعت ابنها لتعيده الى الرشد. 

جمعتنا الصدفة ولم يكن لقائنا بميعاد , و  لم أكن لأظن لحظة واحدة أن أجد الراحة بجوارها ,فقد تناهى الى مسمعي بعضاً مما قالوه عنها و  كانت قصص من تعلٌق بها أكثر من كافية لصد ابواب هواها في قلبي. ولكن القدر  و مشيئة الأيام أبت إلا أن تمتحنني بها , وما أجمله من امتحان…. كيف لا وهي التي أعادت لي رغبتي في خوض غمار الحياة بدون تحفظ….

لقاؤنا الأول كان مرتبكاً, أسئلة كثيرة تضج في رأسي : كيف ستبدو ؟ هل ما سمعته عنها حقيقي ؟….انتابتني حالة من الاستهجان لحماسي الشديد وبحزم حاولت لملمة قلقي.على الموعد حضرت,و في كرسي من الجلد الفاخر تكومت منتظراً قدومها, أترقب العابرين أمامي بلهفة…. بعد برهة من الزمن  ناداني موظف الاستقبال باسمي طالباً مني الاقتراب من مكتبه …دقات قلبي تتسارع, وبخطوات تسارعت على وقع النبض تقدمت و ابتسامة رجاء تعلو وجهي ….. رد الموظف الابتسامة بلطف ,طلب مني التوقيع على ورقتين و من ثم فتح درجاً أمامه وأخرجها : تفضل هذه بطاقة اعتمادك , إنها لك  ….. لن أنسى أبداً تلك اللحظة التي بدأت معها رحلة عمر مازالت حتى اليوم تعدني بمفاجآت لا تنضب….

الآن ,أتحسسها قابعة في جيبي وأقول في سري : رفيقان نحن حتى آخر قرش في حسابي .

التصنيفات:مدارات ذاتية

بين قوسين

غياب منطقي!!!

غريب هو تسلسل الأمور هذه الأيام ……. في خضم كل هذا الجنون , كيف أمكن للمنطق أن يتخلى عن دوره التاريخي فيجعل محاكمتنا للواقع عمياء؟ … و بغير  المنطق , بعض المنطق, كيف يمكننا تقبل هذه الفوضى المحيطة بنا ؟ بماذا نستطيع أن نبرر هزائمنا اليومية المتلاحقة ؟؟؟

عندما ترى مؤشر معنوياتك بتأرجح صعوداً و هبوطاً في بورصة الأحداث بتواتر مخيف , عندما يتجاوزك ما يحصل حولك فيحيل كل جهودك للمواكبة هباءً منثورا, و عندما تنقب في التفاصيل  الصغيرة من حياتك باحثاً , جاهداً , لاهثاً عن إيحاء بالأمل فلا تجده , و عندما …وعندما….ألا يجب أن تقف ساعة صمت  حداداً على روحك المتعبة ؟؟؟

بأسئلة كهذه يبدأ يومي وينتهي… و بين البداية والنهاية محاولات عقيمة لاستخلاص إجابات ترتقي بعد التمحيص إلى مرتبة العبر….

أحتاج خطة نجاة , أحتاج الحقيقة …..

**************************************

على قارعة الطريق

صداقة عمر بيننا …..

خمسون متراً بيننا….

لاح من بعيد , يتنقل بخطوات متثاقلة في الزحام الخانق   , يبحث بتركيز عن موطأ لقدمه على الرصيف المكتظ بالعابرين … بمعطف شتوي التحف و قبعة صغيرة  علت هامته .. لم يتغير فيه الكثير , ملامح وجهه أكثر قسوة  وعيناه  أكثر حيرة ..  بدا لي أصغر حجماً رغم أنه اكتسب بعضا من الوزن.

  اربعون متراً بيننا….

مضى عامان أو أكثر منذ التقيته اخر مرة ,في رأسي تصطف الذكريات… كم جميلة  تلك الأيام التي جمعتنا و التي تقاسمنا فيها كل شيء ,الفرح والحزن والأحلام المستحيلة….. كان آخر حديثنا " الى اللقاء", لم نكن لنعرف ( أنا على الأقل ) أن لقاءاتنا بعد ذلك اليوم ستغدو كلها مؤجلة ..أحاديث البلاد و العباد و اختلاف وجهات النظر جعل جميع الرؤوس حامية , يبدو أن للكلمات في بعض الأحيان وقعاً ثقيلاً يكسر في لحظات ما كنا نظنه عصياً على الاهتزاز….

عشرون متراً بيننا….

سنتان من الوقت لم تمرا بصمت ,  خلالها تناهى الى مسمعي  بعضاً مما قاله عني.. تكلم عني بقسوة انتقد بشكل لاذع "تطرف مواقفي و  ضحالة تفكيري و افتقاري لأدنى مقومات الحوار"… يومها لم أهاتفه معاتباً أو لأحتج على تصرف غير لائق ممن يعتبر صديقاً…غضبت و ابتلعت خيبتي  في شخص كان قريبا مني …ولكي لا أنسى فأفجع من جديد , لقنت نفسي درساً قاسياً في انتقاء الأصدقاء  ….

عشرة أمتار قصيرة بيننا …

غصة  مرة تصعد في الحلق تصحبها رغبة تجددت في معرفة الأسباب التي جعلته يقول بحقي كل ما قال …بعد التمعن ,وجدتها رغبة في صفعه بقوة (علُه يتذكر الخبز و الملح ) أكثر منها رغبة بالمكاشفة … 

خطوتان … رمقني بنظرة جوفاء ورمقته بنظرات شاردة , احتك كتفي بكتفه ومن ثم …. 

خطوتان , عشرة أمتار, ثلاثون, خمسون متراً ……  قطيعة أبدية تفصلنا.

التصنيفات:مدارات ذاتية

سؤال وجيه!!!

بتثاقل فتح عينيه رويدا رويدا, قطب حاجبيه قليلاً ….. الساعة تشير إلى التاسعة صباحاً, ينظر إليها دون أن يستطيع حقاَ أن يدرك المعلومة التي يعطيها هذا الشيء المستدير على الحائط, كان مستيقظاً منذ عشر دقائق ولكنه لم يستطع أن يقوم بأي عمل يوحي بأنه في حالة صحو , ولولا حركة عينيه الأخيرة لأعتقد من يراه أنه دمية خشبية , فلا شيء حقا يدل على الحياة في جسده النحيل. شلل في الجسد تناهى سريعاً إلى الرأس فاكتمل بعجز واضح في مركز القرار…. إنها خمسة عشر ساعة متواصلة من السبات العميق وهي أكثر من كافية لجعل جميع وظائفك الحيوية- ماعدا الانعكاسي منها- شبه معطلة وخارج السيطرة…. (في مكان ما, لن أستغرب إن احتاج الإنسان بعد خمول طويل كهذا إلى جهاز الصدمات الكهربائية لإعادة تنظيم ضربات القلب).

لاشيء جديد في كل ما سبق … فقد سبق ومر بحالات مشابهة. في الحقيقة, هذه الحالة يستحضرها عامداً متعمداً بين الحين والأخر حين تجتاحه تلك الرغبة الجامحة في الهروب من واقعه المغرق في السواد, من زمنه المشبع بالسوء و من جلده المليء بالندوب… ينام لأطول وقت ممكن أملا بأن يحظى عند استيقاظه بلحظات من تيه لذيذ يشعر معه كمن يفتح عينيه على العالم للمرة الأولى. شخص جديد بلا أمس في حياة جديدة بأمل جديد. كان يعرف أن متعته هذه لن تدوم سوى دقائق معدودة تتنحى بعد ذلك ليعود إلى كابوسه القديم المتجدد و لكن بوقع أخف بكثير وبالنسبة إليه كان يشبهها ببضع قطرات من ماء عذب أضيفت إلى محلول مالح لتخفف تركيزه فيغدو مستساغا………على كل حال, في قرارة نفسه, كان يعشق هذا الجو الهش والمؤقت من الراحة.

هذه المرة….هذا الصباح, هناك شيء مختلف . الصمت الثقيل المطبق في الغرفة لا يوحي أبدا بالهدوء. و على غير العادة, ضوء الشمس المتسرب من خلف الستارة الداكنة لا يبشر بنهار جديد, بل إنه لا يحمل حتى شبهة التفاؤل التي كان يلقيها في نفسه سابقا….هناك فعلا شيء مختلف, شعور مختلف ….

جسد ممدد على السرير بانضباط من يؤدي تحية العلم . فقط عيناه من بين كل أعضاء جسده المشلولة كانتا قد تحررتا من قيود النوم الطويل. تجول بهما بقلق في أرجاء الغرفة التي كانت يوما ما مألوفة . فتش في الزوايا الشاحبة, حدق مطولاً بكل ما تناثر هنا و هناك من طقوس الأمس لكن عبثا حاول فلم يسعفه عقله المشتت و لا ذاكرته الخالية بخيط واحد قد يرشده إليه , إلى الشخص الذي كانه البارحة حين استسلم لنوم مبكر,غير مبرر بأي إرهاق أو تعب , فقد أخذ قراره بممارسة السبات أثناء وجوده في العمل, لذا و فور وصوله إلى البيت اتخذ وجهة غرفة النوم مخلفا ورائه ثيابه التي بدأ ينزعها مذ ولج عتبة الباب …على الطاولة الصغيرة قرب السرير, كأس من الماء و كثير من علب المهدئات , بعضها فارغ… كجهاز مبرمج مسبقاً انسل في فراشه ببطء و سلاسة , أغمض عينيه ثم كما في كل مرة حاول الولوج إلى سباته العميق, وبتمرس مكتسب, نجح ودونما عناء….

عشرون دقيقة مرت ومازال فعلا غير قادر على إدراك ما حوله. ما كان لذيذا و محبباً في المرات السابقة لم يعد مستساغا أبدا, بل فتح البابَ لشكٍ قلق بدأ يتسرب علناً إلى نفسه. تلك الدقائق التي كان يتمنى فيما مضى أن تستمر لساعات أضحت الآن كابوسه الأسوأ. ماذا الآن ؟؟؟ سؤال مر في خاطره بخفة نسمة صيفية لكنه ظل بلا إجابة تاركا إياه غارقاً في عاصفة هوجاء من الحيرة…..

فقط بعد ساعة كاملة من بداية محنته, استجمع قواه و نهض بعزم من يحطم قيداً يدميه. انتصب أمام سريره بدون تردد. تجول في الغرفة جيئة وذهابا ً…. كل شيء غامض, بلا تفاصيل وكلما أعمل في الذاكرة استحضاراً ازداد تشتته وضياعه. ما بدا على وجهه وفي حركاته في تلك اللحظة لم يكن خوفاً بل حالة من الهلع و الرعب المطلق. فجأة, توقف في وسط الغرفة, أمسك رأسه بين يديه لتخرج من بين شفتيه صرخة مدوية رددت جدران الغرفة صداها طويلاً….لكن ما بقي دون صدى هوسؤاله الوحيد و المتكرر: من أنااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ؟؟

هو سؤال "وجيه" يا سادة, لم يكن معقداً ولكن إجابته أيضا لم تكن بسيطة أبدا ….. اليوم عندما يطرح احدهم سؤالاً جديرا بالإجابة نستذكر قصة هذا الشاب, نبتسم ثم نعلق: هذا فعلاً سؤال وجيه !!!!

هذه قصة وجيه… شاب عادي يشبه اغلبنا. جرب يوماً أن يتسلل من حياته, متعباً ليرتاح قليلاً على الهامش…وجيه تجرأ و قفز من بين السطور مرات عدة قبلا ً ولم يحاسبه أحد, أعجبه الأمر واستسهل الخروج عن النص فكان عقابه وفي غفلة منه بقائه حبيس الهامش ما بقي من عمره.

التصنيفات:مدارات ذاتية

أثر الفراشة

اعتادا على اللقاء بين الحين والآخر ,عندما يسمح بذلك وقتهما .لم يكونا صديقين من النوع العادي الشائع, كان لهما توصيف خاص لما يجمعهما, مجرد رؤيتهما معا كانت تثير استغراب الكثيرين ممن حولهم …متناقضان في كل شيء و عنيدان حتى الثمالة  ولكن تهذيباً راقياً و قدرة غريبة على الاستماع بإنصات أكسبتهما احتراماً و أعطت لعلاقتهما ديمومة…..يلتقيان ليمارسا هوايتهما المفضلة في المجادلة واستعراض  عضلاتهما الثقافية …يتحدثان في كل شيء وعن كل شيء وقلما ينتهي اللقاء بابتسامة( غير الأصفر منها)… لكنهما صديقان مازالا.
في ذلك المساء تواعدا و التقيا على فنجان من القهوة على طاولة  في مقهى شعبي يطل على شارع  مزدحم …. شهران مرا منذ آخر لقاء وهناك الكثير من المستجدات من النوع الذي يحتمل الكثير من المبارزة في الآراء… متسلحين بكل ما تيسر من العنفوان والعناد تصافحا وجلسا وبدأ النقاش……..
سؤال عن الحال والأحوال ثم استعراض للعناوين ونقاش هادئ ما لبث أن تطور , وكما هي العادة , إلى استخدام الأيدي و الأصابع لشرح المواقف و ابراز النقاط وتجسيد القصص…. بعد نصف ساعة ، كان الأول  يتناول فنجان القهوة من أمامه  ليرتشف آخر قطرات السائل الأسود  من دون أن يحاول مداراة ابتسامة عريضة  ارتسمت على  كامل الوجه . لما لا وقد كان النزال هذه المرة في صالحه ، فقد نجح بتسجيل الكثير من النقاط وإن لم يفز بالضربة القاضية  إلا أنه وبلا شك قد   حقق ماجاء من أجله … عيناه ترقبان صاحبه لاصابته بمزيد من الاحراج والحنق.
  مرت دقيقتان من الصمت الثقيل  ، كان الثاني  يمج سيجارته  بعصبية حاول اخفائها  بدون أن يوفق .  تحول بنظره نحو الشارع , مراقباً السيارات التي تمر  وفي رأسه تعتمل الأسئلة : كيف حصل ذلك ؟؟ لا يمكنني  القبول  بأن ينتهي  لقاءنا على هذا النحو… لا بد أن أفعل شيئاً ، أن أقول شيئاً، مازال في جعبتي  سهم ما في مكان ما …..اهااااا.
فورا بادره بالقول : على كل حديثنا يشبه ما قيل في  أثر الفراشة؟
الأول  بسرعة وبثقة العارف : بصراحة لم أقرأ بعد ديوان محمود درويش … يقولون أنه جدير بالاهتمام … لكني لم أفهم ماذا تقصد.
الثاني   سعيد باستعادة زمام المبادرة الأخيرة : لا لم  أقصد  ديوان  درويش ، بل  أعني نظرية «أثر الفراشة».
الأول  وقد فوجئ  بما سمع , محاولا  التركيز  فقد أعد نفسه للرحيل ولم يتوقع هجمة مرتدة  في آخر لحظة , ومع أنه سبق وسمع بذلك المصطلح في مكان ما   الا أنه سأله بارتباك  : وما هذا؟
الثاني : إنه مصطلح مجازي، يستخدم للتعبير عن مفهوم الاعتماد الحساس والمهم للحدث على الظروف الأولى المحيطة له.
الأول بدهشة:  حسناً و كيف ترى أن حديثنا يشبه هذا الذي تقول ؟
الثاني :   بقليل من الإسقاط   سترى أننا لو اخترنا مكانا أكثر هدوءاً ، ولو أنني جلست في الجهة الأبعد عن ضجة الشارع  لكنت أكثر تركيزا  وبالتالي ضحداً لأفكارك …..
الأول مستهزئاً : حقاً إنك غريب …يا  صاحبي  كفاك مكابرة ، إن تغيير المكان لن ينفعك بشئ   وفي أي مكان وأي ظرف آخر   ستكون النتيجة واحدة … لديك خطأ في المنهج يا حبيبي وليست المشكلة في التركيز.
الثاني و قد حزم امره على توجيه الضربة القاضية : لا لا …أنت  لم تفهم قصدي … اسمع سأوضح لك بالدليل القاطع كيف أن تغييرا طفيفا ً في الشروط البدائية لأي فعل قد يؤدي الى تغيير هائل في النتيجة النهائية….. راقب يدي,,,,,,.( كان بعلم أن ماسيفعله خطير وذو عواقب لكن ماتعرض له اليوم  من اذلال فكري كان بمنظوره قاتلا ولا يمكن تجاوزه) ومن دون سابق انذار قام الثاني بتلويح يده في الهواء ليصفع الأول صفعة   تلاطمت لها ملامح وجهه فاختلطت ببعضها. 
هال الأول ماحصل  وتسمر كل شيء فيه حتى الدم في العروق.. 
الثاني  :   أرأيت …. لو أني أوقفت يدي قبل سنتيمتر واحد من وجهك ولم أصفعك  ، لما كنت الان غاضباُ مني و بودك لو تستطيع قتلي  ، ولكنا مازلنا أصدقاء…. أتفهم الآن  كيف أن تغييراً طفيفا في شروط بداية  حدث ما قد  تؤدي الى نتيجة مغايرة تماماً  ,  اليوم  كلانا يا صاحبي خاسر…
لم  ينتظره ليجيب،  جمع اشياءه , قام وانسل في زحام الشارع  و لم يسمع أحد أنهما التقيا بعد ذلك .

التصنيفات:مدارات ذاتية

تفكير عبثي

مواساة                                                                                
يميل اغلب البشر الى الاعتقاد أنه مهما ساءت أحوالهم و جار عليهم  الزمان وأهله  فهناك  على الغالب من  يعاني ويقاسي ما هو أمر وأسوأ… وفي قرارة أنفسهم يتبنون هذا الاعتقاد كمصدر للراحة والمواساة و في المثل القائل «من شاف مصيبة غيرو بتهون عليه مصيبتو» ما يؤكد ذلك .. حسنا ليس في الأمر ضير و لكن الفكرة بأنه هناك دوما من يعاني الأسوأ ستقودنا في النهاية الى الاستنتاج المنطقي بأنه في مكان ما من هذا العالم المتسع  هناك شخص ما تعيس أيما تعاسة، يعيش اسوأ ظروف على الإطلاق  هو في قاع السلسلة ولا أحد بعده ، هو ذلك الشخص الذي يعيش اكثر من ستة مليارات انسان  حياة افضل من حياته و يتدبرون امورهم  بشكل أفضل مما يفعل.
فرضية كهذه    ستضعنا وجها لوجه  مع سؤال عصي على الاجابة ألا وهو  أنه  كلما اقتربنا من  نهاية السلسة سيصبح أصعب فأصعب تحديد من هو صاحب الحال الأسوأ….. هل على سبيل المثال لا الحصر  : رجل بصير ، مشلول، فاقد للنطق  أسوأ حالاً من آخر  أعمى، بترت يداه  ؟؟؟؟
ذات الأغلبية من البشر،  تتحفك بقول آخر اعتدنا على سماعه في ذات السياق و  يندرج أيضاً تحت باب المواساة الذاتية و رفع المعنويات … تسمع من يقول بكل ثقة «إن  الأمور ستتحسن بالتأكيد لأنها وببساطة لا يمكن  أن تصبح أسوأ» ، عزيزي الواثق من قوله  إن هذا الاعتقاد  بحد ذاته هو خطأ منطقي فادح ، فعلى فرض القبول معك أنه ليس هناك ما هو أسوأ ( وهذا طبعا يناقض قولك السابق بأنه مهما حصل فأنت أفضل حالا من غيرك ) هذا  لا يعني ابداً أن وضعك  آيل الى التحسن    لأنه  ( وعلى الغالب هذا ما سيحصل  حسب  قوانين  صديقنا مورفي المتشائل) يمكن أن يبقى على حاله …أي  أنك و ببساطة  مثيلة لتلك  التي استعملتها في قولك آنف الذكر قد تقضي ماتبقى من حياتك في ذات الدرك الأسفل من سلم الهناء و دونما أي تغيير……. 
   أما أنا ، وكرغبة  مني في استحضار مساهمتي الى القائمة السابقة  فسأضيف  « أنه ومهما كانت حالتك سيئة فإنها يمكن أن تسوء أكثر فقط بإضافة صداع بسيط في الرأس»……….
حسناً ، انظروا الى الجانب المشرق من الموضوع ، الصداع على الغالب ، على الغالب  قد يزول بعد حين … 

                                               ************************************                             
هل تعرف؟
في البداية و انت شاب في مقتبل العمر ، لنقل أنك في العشرين ، تدخل  مرحلة  تكون فيها لا  تعرف ، ولكنك لا  تعرف انك لا تعرف  لذا فتتقدم وتجازف و تغامر وتأخذ جميع الفرص المتاحة.  ثم في الثلاثينات من عمرك ، تبقى لا تعرف ولكنك هذه المرة تعرف بأنك لا تعرف  ، فتصبح أكثر حذرا وأقل مجازفة مما قبل .  في الأربعينات من عمرك الفاني  تدخل تلك المرحلة التي تصبح فيها عارفا ولكنك للأسف  لا تعرف بأنك تعرف  ، لذا تقل محاولاتك أكثر فأكثر وتصبح  قليل المبادرة. بعد ذلك و في  خريف العمر وأنت  تعيش الخمسينات من عمرك  وإذا كنت مازلت تنتبه  الى هكذا أمور ستجد نفسك  عارفاً وأنك  مدرك تمام الإدراك لكونك عارف… عندئذ و فقط عندئذ  تمتع  بحياتك  و انطلق!!!!!!!!!!!!!

التصنيفات:مدارات ذاتية

الوحدة

عندما يعجز المرء عن التغيير و يشعر بالعجز يسعى للشكوى. لكن عندما تصل الشكوى إلى حد تململ صاحبها ومن يسمعها, يصبح في موقف سيء فيضطر للتفكير بالتغيير و منه يعود إلى الشكوى في حلقة مفرغة تماما ً. لعل المرض الأكثر شيوعا ً في العالم هو الوحدة حيث يأخذ من هذه الحلقة المفرغة بادئة له في ترميغه للنفس البشرية بالوحل. قد تعبت العقول من تحليل و تعريف الوحدة, و تعبت أوتار الموسيقيين من عزف ألحانها المؤلمة. لكن لنقول أنها ببساطة عجز النفس البشرية عن الانخراط بمناخ اجتماعي تشعر فيه بجدوى وجودها.

إذا ًهي ربما مشكلة وجود؟ تسعى النفس البشرية, كأول ردة فعل غير إرادية على هذا المرض, إلى الاستعانة بشخص مقرب جدا ً و تكون أكثر بعدا ًعن خلق مناخات اجتماعية متنوعة أو ببساطة جديدة, و ذلك بسبب الخوف. و كلما زادت حلقة الوحدة المفرغة ضيقا ً كانت ردة الفعل أقوى و أعنف, فتصبح النفس قريبة من ذاتها إلى حد النفور و تسعى إلى القرب و ربما إلى الحب المبالغ فيه مع الأشخاص المقربين, و في لحظة ما تشعر بعدم جدوى الاقتراب و الشكوى فتفكر بالهرب كحل سريع يقود إلى ما أصبح يُعرف بخطة الشاطئ الأخير التي غالبا ً ما تكون مدمرة أكثر من أمواج البحر العاتية التي تصارعها.

أكثر النفوس البشرية معاناة في هذا المرض هي تلك التي لديها شخصية خلّاقة (بمعنى أنها ذات سعي دؤوب نحو خلق الأشياء و تقديم الجديد أي نحو التغيير), فهي تشعر بالتكبيل و العجز, و اليأس من مرور الأيام دونما تغيير. و لما كانت شخصية خلّاقة فهي في معركة شرسة مع هذا المرض و غير مستسلمة على الإطلاق, بالتالي هي الأكثر عرضة إلى الإخفاقات و الأكثر فعلا ً للحماقات (ردات الفعل العنيفة). على أية حال, إن ردة الفعل في هذه الشخصية هي مبالغ فيها كما و المرض نفسه. تصاب هذه الشخصية بالمرض بسبب الشعور الحقيقي بتراجع جدوى الوجود الناتج عن أن علاقتها القائمة مع الوسط المحيط لم تعد خلّاقة على الاطلاق لا بل أصبحت تشعر بعدم قدرتها على جعلها على هذا النحو. إن الشخصية الخلّاقة لها القدرة على خلق مناخات اجتماعية جديدة في الحالة الطبيعية لكنها تبقى متمسكة إلى حد كبير بمناخاتها الأولى التي تكون عميقة الوصال. في حالة المرض بالوحدة يعتمرها شعور مبالغ فيه بالخوف من العلاقات الجديدة, كباقي الشخصيات المريضة, حيث تنعدم القدرة على التمييز بين ما هو شعور حقيقي و بين الوهم أو الحاجة للشفاء من المرض عبر علاقة ما تشعرها بمعنى الوجود, الخوف من الاخفاق الجديد و من انتكاسة المرض الذي يترتب عليه تراجع مخيف في الثقة بالنفس. نعود و نسأل هل المشكلة هي مشكلة وجود؟ بالتأكيد نعم, فالنفس التي تشعر بهذه القدرة خاصة في الحب (أي عن طريق علاقة الحب مع الآخر كإنسان أو مع الآخر كشيء ما), لا تصاب بهذا المرض. ولما كان الحب هو وقاية فهل ينفع كعلاج؟

في الحقيقة ليس هناك وصفة طبية! لكن على أية حال, من الممكن أن يُشفى المرء بالعثور على معنى للوجود. البعض لخص هذا المعنى بعبارة بسيطة “الحب”. يتأسس هذا المفهوم على أساس علاقة بين شيئين اثنين, إذن على رابطة قوية مع الوجود ككل, حيث يشعر المرء بأهميته و فاعليته أي بمعنى وجوده من خلال قدرته على العطاء. يسعى هذا المفهوم أيضا ً لاثبات أن المرء ليس قادرا ً على ايجاد هذا الشعور إلا عن طريق الآخر, فلا يمكن اثبات الوجود إلا عن طريق الآخر بالتالي هو نقيض الوحدة و الأنانية و النرجسية و كل المفردات و التصرفات التي تعبر عن محاولات النفس اثبات وجودها لوحدها او عن طريق الذات. يبدو للوهلة الأولى أنه حل ساذج, أو ربما نسبي لا يمكن تعميمه. في الحقيقة, أرى أنه من أعقد الحلول النفسية, و هو ليس ببسيط و هو عام بغض النظر عن أساليب التطبيق. من الواضح أنه وقاية ناجحة من الوحدة كمرض, فبتفاعل المرء مع الآخر و تشكيله لمنط أو شعور عاطفي ما يقوم بحماية نفسه من الانعزالية. لكن لا يبدو لي أنه علاج فعّال دائما ً, فهو سيف ذو حدين, يدفع المرء إلى حصر خلاصه في مخرج واحد عن طريق علاقة ما مع آخر وحيد, في حده الأول يمكن القول بإمكانية العلاج النهائي من المرض (بحسب نسبة تفشيه في النفس) حيث النجاح في تأسيس تلك العلاقة يعني الثقة بالنفس و البدء بتشكيل نواة لمعنى وجودي يمكن أن تتوسع مع الزمن, أما في الحد الثاني يمكن القول بالانهيار النفسي حيث الفشل في تأسيس تلك العلاقة يقود إلى العكس تماما ً, و لا يمكن التنبؤ بردات الفعل النفسية على الاطلاق, لكن العودة إلى الانطوائية الشديدة هي أحد رموز الانتكاسة النفسية.< المشكلة في الحقيقة أنه كلما تقدم الزمن مع هذا المرض تصبح النفس في قوقعة مظلمة لا ترى مخرجا ً إلا عبر ممر وحيد ضيق. إنها مشكلة عويصة للغاية, فعندما ترى مخرجا ً واحدا ً تدفع بكل قواها نحوه و يصبح الأمر مبالغا ً فيه لحد يُفشله في أغلب الأحيان. الوضع الأسوء برأي في كل هذه المعمعة, هو أن تكون النفس مدركة تماما ً لواقع المشكلة و مخاطرها و الحلول و الفشل و عواقبه, ففي هذه الحالة تسعى إلى الالتفاف على العقل و الكذب و التلاعب و الايهام بعدم وجود مشكلة في الأصل مما يقود إلى تناقض نفسي عميق يفاقم مشكلة الانعزالية و الوحدة و يصبح المرء غير قادرا ً على البقاء مع نفسه أبدا ً لكثر الخذل الذي أوقعت به نفسه, و ربما يسبب لاحقا ً انفصاما ً في الشخصية.

ربما يفكر المتفائلين بحلين: أولهما هو محاولة النفس الخروج من أكثر من مخرج و توزيع كل الطاقات عليها دفعة واحدة, بالتالي تصبح فرص الشفاء أكبر و الانتكاسات أقل بكثير, بينما الحل الثاني يشير إلى استمرارية النفس بالمحاولات رغم الفشل, فبمجرد المحاولة تكتسب النفس مسكنات علاجية تُبقي حالتها مستقرة دونما تفاقم. بالنسبة للحل الأول يمكن أن يكون حلا ًمعقولا ً في البدايات الأولى للمرض لكن في مرحلة متقدمة قليلا ً يصبح مستحيلا ً لعدم قدرة النفس على رؤية أكثر من مخرج كما قلنا سابقا ً. بكل الأحوال لا بد من الاعتراف أن قدرة الاستجابة تتفاوت من نفس لأخرى وفق ظرف زماني و مكاني متوافق والحالة بحد ذاتها, أي أنه لا بد من أن تكون النفس على وعي تام لرغباتها و قدراتها و توافقهم التام مع الظرف الزماني (عمر النفس بشكل أساسي) و مع الظرف المكاني (وسط اجتماعي مقبول) اللذان يسمحان برؤية مخارج متعددة للأزمة. بالنسبة للحل الثاني لا بد من تركيز النفس على ما يمكن أن تصل به في حال استمرت هكذا, فتفاقم الأزمة يمكن أن يؤدي إلى الحزن ثم الاكتئاب الشديد و أخيرا ً إلى التدمير الذاتي أي الانتحار. انطلاقا ً من وعي النفس لمخاطر تفاقم المرض يمكن لها أن تندفع للقيام بالمحاولات و في حال الفشل تعود لتركز على تلك المخاطر و هكذا. لكن تبقى هناك نقطة مهمة للغاية لا بد من ذكرها: الحل باستمرارية المحاولات يحتاج إلى أرضيات أساسية تتركز بالمحيط الاجتماعي الذي يسمح بتكرار المحاولات من جهة و تأمين دعائم عاطفية بحتة أي بدائل تشجع النفس على تكرار المحاولة. تُلخص هذه البدائل في وجود نجاحات محققة في هذا المجال في وقت سابق يمكن استثمارها لزرع بصيص أمل, فبدون هذه الدعائم يصبح الأمر شبه مستحيل: فحال النفس هكذا كحال العطشان في وسط الصحراء يسعى دائما ً وراء السراب دونما كلل أو ملل, لكن الخطورة تكمن في تكرار الاخفاقات و تشابه وقائعها و الوصول بعدها إلى ما يُحمد عقباه من انعزالية و حتى ربما إلى انفصام في الشخصية. أخيرا ً أرى بُدا ً من التركيز على معنىً وجوديا ً للمرء, فهو السبيل الوحيد للوقاءية و ربما العلاج من هذا المرض. و ليس هذا و حسب و إنما له القدرة على دفع الشخصية لابراز قدراتها الخلّاقة من خلال التفاعل الاجتماعي, الأمر الذي يفضي إلى نمو الابداعات الشخصية, و بعبارة أبسط يفضي أن تصبح الوجوه الرمادية لمجتمعاتنا ميالة لتكون بيضاء.

التصنيفات:مدارات ذاتية
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 36 other followers